الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

56

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

معاشها من ضروب تنتشر في الجو من البعوض والفراش وأشباه الجراد واليعاسيب ، وذلك أن هذه الضروب مبثوثة في الجو لا تخلو منها موضع ، واعتبر ذلك بأنّك إذا وضعت سراجا بالليل في سطح أو عرصة دار اجتمع عليه من هذه الضروب شيء كثير ، فمن أين يأتي ذلك كلهّ إلّا من القرب ، فإن قال قائل : إنهّ يأتي من الصحاري والبراري ، قيل له كيف يوافي تلك الساعة من موضع بعيد ، وكيف يبصر من ذلك البعد سراجا في دار محفوفة بالدور فيقصد إليه ، مع أن هذه عيانا تتهافت على السرج من قرب ، فيدلّ ذلك على أنها منتشرة في كلّ موضع من الجوّ ، فهذه الأصناف من الطير تلتمسها إذا خرجت فتقوت بها . فانظر كيف وجهّ الرزق لهذه الطيور التي لا تخرج إلّا بالليل من هذه الضروب المنتشرة في الجو ، واعرف ذلك المعنى في خلق هذه الضروب المنتشرة التي عسى أن يظن ظانّ أنّها فضل لا معنى له ( 1 ) . « وجعل لها أجنحة من لحمها » يمكن أن يكون مستأنفة وان يكون عطفا على « جعل الليل » وعلى « يقبضها الضياء الباسط لكلّ شيء » . « تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران » بخلاف باقي الطيور ، فجعل في أجنحتها وذنبها ريشات طوال متان لتنهض بها للطيران ، وكسى كلّها الريش ليتداخلها الهواء فيقلّها فكيف تطير هذه مع خلوّها من جميع ما ذكر ، ولكنّها لما كانت تلد ، جعل جناحها من لحم ، فلو كان من ريش لم يقدر لحملها مع حملها . قال الصادق عليه السّلام في غيره من الطيور : جعل الطير مما تبيض بيضا ، ولا تلد ولادة ، لكيلا تثقل عن الطيران ، فانهّ لو كانت الفراخ في جوفه تمكث حتى تستحكم ، لأثقلته وعاقته عن النهوض والطيران ، فجعل كلّ شيء من خلقه

--> ( 1 ) توحيد المفضل : 119 ، والنقل بتصرف يسير .